الشيخ محمد النهاوندي

501

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ هدّد سبحانه المكذبين للرسول ببيان تكذيب ثمود رسولهم وابتلائهم بالعذاب بقوله : كَذَّبَتْ قبيلة يقال لها ثَمُودُ رسولهم صالح بِطَغْواها وبسبب عتوّها على اللّه ، أو المعنى كذّبت بما أوعدهم الرسول من عذاب ذي طغيان كما قال اللّه تعالى : فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ . إِذِ انْبَعَثَ وحين أسرع في طاعة رؤسائها قدار الذي هو أَشْقاها وأخبثها وأطغاها في عقر الناقة فَقالَ لَهُمْ صالح رَسُولُ اللَّهِ عليه السّلام : يا قوم احذروا أن تؤذوا ناقَةَ اللَّهِ التي هي من آياته ، واحذروا أن تمنعوها وَسُقْياها ومشربها ، فإن مسستموها بسوء يأخذكم عذاب قريب فَكَذَّبُوهُ فيما أوعدهم به من العذاب فَعَقَرُوها وضربوا رجلها بالسيف وقتلوها . روى بعض العامة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال لعلي : « يا علي أتدري من أشقى الأولين ؟ قال : « اللّه ورسوله أعلم ، قال : « عاقر الناقة » قال : « أتدري من أشقى الآخرين » ، قال : « اللّه ورسوله أعلم » قال : « قاتلك » « 1 » . فَدَمْدَمَ وأطبق عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ العذاب ، وأهلك جميعهم بالصيحة الهائلة ، أو الزلزلة بِذَنْبِهِمْ وبسبب عصيانهم بتكذيب الرسول وعقر الناقة فَسَوَّاها قيل : إنّ الضمير راجع إلى الدمدمة ، والمعنى : فعمّتهم الدمدمة « 2 » . وقيل : راجع إلى الأرض ، والمعنى : فسوّى عليهم الأرض بأن أهلكهم فجعلهم تحت التّراب « 3 » وَلا يَخافُ اللّه بالدمدمة عليهم عُقْباها وتبعتها لأنّها كانت باستحقاقهم والعمل بالحكمة . وقيل : هذا الكلام لبيان تحقير إهلاكهم ، والمعنى أنّه أهون من أن تخشى فيه عاقبة الأمر « 4 » . وقيل : إنّ المعنى لا يخاف قدار الأشقى فيما أقدم من عقر الناقة عقبها وتبعة سوئها ، بل كان آمنا من الهلاك ففعل مع الخوف الشديد فعل من لا خوف له ، وفيه دلالة على غاية حمقه ، وعلى هذا التفسير تكون الآية في حكم المتقدّم ، كأنّه قال : إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها « 5 » . روي أنّ صالحا لمّا وعدهم بالعذاب بعد ثلاث ، قال الذين عقروا الناقة : هلمّوا فلنقتل صالحا ، فإن كان صادقا عجّلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا ألحقناه بتاقته « 6 » فأتوه ليقتلوه فدمغتهم الملائكة بالحجارة ، فلمّا أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح ، فوجدوهم قد رضحوا بالحجارة ، فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ، ثمّ همّوا به ، فقامت عشيرته دونه « 7 » ولبسوا السلاح ، وقالوا لهم : واللّه لا تقتلونه ، قد وعدكم أنّ العذاب

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 446 . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 31 : 195 و 196 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 31 : 196 . ( 6 ) . في النسخة : بناقة . ( 7 ) . في النسخة : دونها .